السيد محسن الأمين

105

أعيان الشيعة ( الملاحق )

الفرق الواضح بينه وبين عبادة الأصنام ( اما قوله ) ولهذا قال ( ص ) اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد فتخرص على الغيب فمن الذي أخبره ان علة قوله ( ص ) ذلك الخوف من أن يصل تعظيم قبره والتبرك به وتقبيله إلى اتخاذه وثنا يعبد بل هو دعاء بان يعصم أمته من اتخاذ قبره وثنا يعبد بما كانت تعبد به الجاهلية أوثانها لا بمجرد تعظيم المسلمين له وتبركهم به الذي قد بينا مرارا انه ليس عبادة له ( اما تفرقته ) بين سؤال النبي والصالح في حياته وسؤاله بعد موته أو في مغيبه بأنه في حياته لا يعبده أحد في حضوره فمما يضحك الثكلى ( أولا ) ان السبائية قد عبدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) في حضوره حتى حرقهم بالنار فزاد ذلك اعتقادهم بإلهيته لما سمعوه منه لا يعذب بالنار الا رب النار المحمول على الكراهة في غير المقام الذي يناسبه شدة العقاب أو غيره من المحامل ( ثانيا ) احتمال ان يترتب على فعل المباح أو الراجح امر محرم لا يوجب تحريمه والا لحرم جميع ما في الكون من فعل ( قوله ) ولم يكن أحد من سلف الأمة في عصر الصحابة ولا التابعين ولا تابعي التابعين يتخيرون الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء . ما أهون الدعاوي المنفية وتتابع أدوات النفي على ابن تيمية إذا حاول ما طبع عليه من انتقاص قدر الأنبياء والصلحاء كأنما الله تعالى أوجده في جميع العصور واطلعه على كل كائنات الدهور وانا نسأله هل كان مالك بن أنس إمام دار الهجرة والذي قيل فيه لا يفتى ومالك في المدينة وحجة الله على خلقه بشهادة الإمام الشافعي « 1 » من سلف هذه الأمة ومن التابعين أو تابعي التابعين حين قال لأبي جعفر المنصور وقد سأله قائلا يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله ( ص ) فقال لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ( ع ) إلى يوم القيامة بل استقبله واستشفع به ( الحديث ) وهل أنكر أحد ذلك على مالك من علماء المدينة وهي ملئ بالتابعين وتابعي التابعين أو من علماء سائر الأقطار وهل تحتاج فضيلة المكان المدفون فيه جسد النبي ص وهو سيد الكائنات وأشرف ولد آدم إلى رواية خاصة ونص مخصوص وإذا ثبتت فضيلته ثبتت فضيلة الصلاة فيه أفيلزم مع ذلك ان ينزل ملك على ابن تيمية يخبره بفضيلة الصلاة في المكان الفاضل ولكن تكفير المسلمين واستحلال أموالهم ودمائهم تكفي فيه الظنون والأوهام وسرد الدعاوي المنفية بلا دليل . وسيأتي في فصل التوسل ان جميع أصحاب المناسك من علماء الإسلام ذكروا استحباب المجيء إلى قبر رسول الله ( ص ) والدعاء : اللهم انك قلت في كتابك وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ إلخ وتقدم مجيء رجل إلى قبره ( ص ) وسؤاله ان يستسقي لأمته فسقوا ( قوله ) ولا يستغيثون بهم لا في مغيبهم ولا عند قبورهم هذه الدعوى يكذبها مضافا إلى ما تسالم عليه المسلمون خلفا عن سلف من الاستغاثة بالأنبياء والصالحين وطلب الشفاعة منهم كما يظهر مما ذكرناه في تضاعيف هذا الكتاب ما ذكره عالم المدينة السمهودي الشافعي في كتابه وفاء الوفا حيث قال في كلامه الآتي في الفصل الثالث ان الاستغاثة بالنبي ( ص ) من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين وما ذكره في خاتمة الباب الثامن « 2 » من استغاثة جماعة من السلف 105 به ( ص ) بعد وفاته حيث قال ( خاتمة ) في نبذ مما وقع لمن استغاث بالنبي ( ص ) أو طلب منه شيئا عند قبره فاعطي مطلوبه ونال مرغوبه مما ذكره الإمام محمد بن موسى بن النعمان في كتابه مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام ( فمن ذلك ) ما قال اتفق لجماعة من علماء سلف هذه الأمة من أئمة المحدثين والصوفية والعلماء بالله المحققين . قال محمد بن المنكدر أودع رجل أبي ثماني دينارا وخرج للجهاد وقال له ان احتجت أنفقها وأصاب الناس جهد من الغلاء فأنفقها فقدم الرجل وطلبها فقال له عد إلي غدا وبات في المسجد يلوذ بقبر النبي ( ص ) مرة وبمنبره مرة حتى كاد أن يصبح يستغيث بقبر النبي ( ص ) فبينما هو كذلك وإذا بشخص في الظلام يقول دونكها يا أبا محمد فمد يده وإذا صرة فيها ثمانون دينارا ( وقال ) الإمام أبو بكر ابن المقري كنت انا والطبراني وأبو الشيخ في حرم رسول الله ( ص ) وأثر فينا الجوع فلما كان وقت العشاء حضرت قبر النبي ( ص ) وقلت يا رسول الله الجوع ( إلى أن قال ) فدق الباب علوي معه غلامان مع كل واحد زنبيل فيه شيء كثير وقال أشكوتم إلى رسول الله ( ص ) فاني رأيته في المنام فامرني ان احمل بشيء إليكم ثم ذكر السمهودي بعد نحو من نصف ورقة أن هذه الواقعة رواها ابن الجوزي في كتابه الوفاء بإسناده إلى أبي بكر المقري قال ( وقال ابن الجلاد ) دخلت المدينة وبي فاقة فتقدمت إلى القبر وقلت ضيفك فغفوت فرأيت النبي ( ص ) فأعطاني رغيفا فأكلت نصفه وانتبهت وبيدي النصف الآخر ( وقال أبو الخير الأقطع ) وذكر نحوه ( وقال أبو عبد الله محمد بن أبي زرعة الصوفي ) سافرت مع أبي ومع أبي عبد الله بن خفيف إلى مكة فاصابتنا فاقة شديدة فدخلنا المدينة فاتى أبي الحظيرة وقال يا رسول الله انا ضيفك الليلة ( إلى أن قال ) فقال رأيت رسول الله ( ص ) فوضع في يدي دراهم وبارك الله فيها إلى أن رجعنا إلى شيراز وكنا ننفق منها ( وقال أحمد بن محمد الصوفي ) تهت في البادية ثلاثة أشهر فانسلخ جلدي فدخلت المدينة وجئت إلى النبي ( ص ) فسلمت ثم نمت فرأيته ( ص ) في النوم فقال لي جئت قلت نعم وانا جائع وانا في ضيافتك قال افتح كفيك فملأهما دراهم فانتبهت وهما مملوءان . ثم نقل السمهودي ما يزيد على عشر وقائع من هذا القبيل ومنها واقعتان نقلهما عن نفسه يطول الكلام بذكرها فيلطلبها من أرادها ويستفاد من ذلك أيضا ان الاستغاثة بالنبي ( ص ) عليها سيرة المسلمين خلفا عن سلف بدون تناكر بينهم فيكشف عن أن ذلك مأخوذ من صاحب الشرع كما عرفت في المقدمات مع أنه لا يحتاج جواز الاستغاثة إلى ورود الدليل بل المانع عليه إقامة الدليل ( قوله ) ومن أعظم الشرك إلخ قد عرفت انه لا شرك فيه بوجوب حمله على الوجه الصحيح فضلا عن كونه من أعظم الشرك ( قوله ) وهذا حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم . بل هذا حال الوهابية في اتباعهم رؤساءهم على غير بصيرة ولا هدى فاشبهوا الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله الذي ورد فيها انهم ما صاموا لهم ولا صلوا وانما حرموا عليهم حلالا وأحلوا لهم حراما فاتبعوهم ومما مر تعلم فساد قوله ان خير الخلق إلى قوله ولا بعد مماته . ( قوله ) وقول كثير من الضلال هذا أقرب إلى الله مني وانا بعيد لا يمكنني ان أدعوه الا بهذه الواسطة من أقوال المشركين إلخ . أما قول هذا أقرب إلى الله مني فصحيح ليس فيه شيء من الضلال فان

--> ( 1 ) ج 2 صفحة 421 طبع عام 1326 بمصر . ( 2 ) كما في خلاصة تذهيب الكمال صفحة 313 طبع مصر .